الفن التشكيلي  بصيغة المؤنث

نهى‭ ‬الخطيب
نهى الخطيب 
نهى الخطيب 


تزور مدينة أصيلة فتشعر وكأنّ لسان حالها يقول: البلدة وأهلها يرشّونك بالجمال والتّشويق والانبهار؛ هذه الفكرة تلمع في ذهنك وأنت تتجوّل في المدينة العتيقة، كفضاء ساحر يجعلك تسافر عبر الزّمن داخل أسوارها، في دروب ضيّقة وأزقّة أنيقة ومنازل مُتّشحة بالبياض والزّرقة في تراصّ خلّاب، يختزل حضارة وثقافة وتاريخاً وتراثاً غنيّاً ومتنوّعاً ضارباً في أعماق القدم؛ تزيدها روعة وبهاء جداريات مزيّنة برسومات فنّانين وفنانات تشكيليّين من مختلف المدارس والأجيال تمتزج بلون البحر والسّماء، لتصير على مدار العام معرضاً ثابتاً في الهواء الطّلق، لا يمكن حمل لوحاته أو شراؤها، منتشرة في المدى تدهش المارّة والزّوار من داخل المغرب وخارجه .
يتجدّد هذا المعرض بوصفه قاعدة سنويّة مع انطلاق موسم أصيلة الثّقافي ذي الصّيت العالمي الذي يطفئ هذه السّنة شمعته الثّالثة والأربعين .
هذه المدينة الموريسكيّة الطّراز التي يعود تاريخ نشأتها إلى أكثر من ألفي سنة، تمتلك قوّة إيجابيّة من الّلون والضّوء والصّورة، تضخُّها بحبّ في شرايين أبنائها، ليؤسّسوا عبر السّنين مدرسة معترفاً بها، قائمة بذاتها؛ يشكّل فيها العنصر النّسوي ظاهرة من التّميّز برسائله الإنسانيّة والجماليّة والفلسفيّة الأكثر عمقاً ودلالة ورمزيّة، مستقاة أفكارها من معنى الحياة وسحر الطّبيعة وعشتار الأرض والخصوبة، في انزياح فنّي مُجدّد ومنفتح على الفكر الإبداعي ولغة التّشكيل الحداثيّة .
نرجس الجباري، وشعّة الخرّاز، وسوسن ملّيحي، وشروق ملّيحي، وكوثر الشّريكي، وغيرهنّ كثيرات، فنّانات تشكيليّات "زيلاشيات" من الجيل الثّالث، تشرّبن منسوب الجمال الفائض عن الحدّ في محيطهنّ وبين رحاب مدينة الأسطورة والبحر، فضلاً عن كونهنّ نساء متعلّمات درسن الفنون الجميلة حسب قواعدها الأكاديميّة، فتعمّقن في التّجريب وما زلن، للبحث أكثر عن ذواتهنّ بصفتهن نساء اقتحمن مجالاً كان حكراً على الرّجل أوّلاً، ثمّ فنّانات معاصرات تحوّلن بدورهنّ إلى منفّذات للعمل التشكيلي .
كلّ واحدة منهنّ لها أسلوبها في التّعبير عن أفكارها ومشاعرها بالطّرق والوسائط التي تجدها مناسبة لإنجاح فكرتها الفنّية، لكنّهنّ ككلّ التّشكيليات المغربيّات والعربيّات يلتقين عند نقطة تصحيح تلك الرّؤيا النّمطية للمرأة وتكسيرها، ومواجهة كلاسيكيّة الصّورة وقيود المجتمع لجسدها وفكرها ومهاراتها وقدراتها بكلّ احترافيّة وثقة في التّحليق عالياً نحو آفاق مختلفة... نحو التّراث والهويّة والوطن والحرّية والنّدية بفنّ راقٍ متحضّر له حسّه وأبعاده وخصوصيّاته وتساؤلاته وتيمته الفنّيّة وإشكالياته وكيانه .
ويبقى الأمل معقوداً على تحقيق الفنّ التّشكيلي بصيغة المؤنّث، ليس في مدينة أصيلة فحسب، بل في المغرب والعالم العربي، قفزة نوعيّة تؤسّس لمستقبل فاعل داخل صالات العرض والمتاحف والأسواق العالميّة للفنّ من دون تأطير أو وصاية.