الفن لرفع المعنويات وتعزيز التفاؤل
الفن لرفع المعنويات وتعزيز التفاؤل

في عالمٍ مليءٍ بالتحدِّياتِ والضغوطِ، تظلُّ الروحُ البشريَّةُ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى الإلهامِ والتفاؤل، وهنا يأتي دورُ الفنِّ بوصفه وسيلةً فاعلةً لرفعِ المعنوياتِ، وتعزيزِ التفاؤلِ، فهو ليس مجرَّدَ مجموعةٍ من الألوانِ والخطوطِ فقط، بل ولغة، تنطقُ بصدقِ الإنسانيَّةِ، وعمقِ الوجودِ أيضاً.

علاء هديب

 

"الفن ليس مجرد عملٍ إبداعي فقط، إنه أيضاً أداةٌ فاعلةٌ لبناء جسور التواصل"
علاء هديب


لكنْ، هل تساءلت يوماً كيف يمكنُ للوحةٍ أن تنقلَ لنا المشاعرَ والأحاسيسَ دون أن تنطقَ بكلمةٍ واحدةٍ، وهل فكَّرت كيف تعزِّزُ الموسيقى حالتنا المزاجيَّة، وتمنحنا الطاقةَ والروحانيَّة، ثم ألم يغلبك الفضولُ لمعرفةِ سرِّ قوةِ الكلماتِ الشعريَّةِ في تداولِ الأملِ وإشعالِ النيرانِ في قلوبنا؟

هذه الأسئلةُ وغيرها، طرحناها على الفنان علاء هديب، المدربُ والخبيرُ في مجالِ العلومِ المسرحيَّةِ، فتحدَّث لنا كيف يمكنُ للتعبيرِ الفني، أن يكون لغةً، لا تحتاجُ إلى ترجمةٍ، وكيف يستقرُّ المشهدُ الفني والمسرحي مباشرةً في الروحِ والعقلِ. كذلك كشف عن سرِّ تلك اللغةِ السحريَّةِ التي يتقنها الفنانون لرواية قصصٍ بلا كلماتٍ، وأسلوبهم في استخدامِ الفنِّ أداةً لرسمِ البسمةِ على وجوهنا، وتلوينِ حياتنا بألوانِ الأملِ والتفاؤل.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

 

أسعى إلى نشرِ رسالة الأمل والإيجابية

 

الفنانُ والمدربُ المسرحي علاء هديب قامةٌ مسرحيَّةٌ، برعت في تقديمِ عديدٍ من الأدوارِ على خشباتِ المسارحِ الأردنيَّةِ والعربيَّةِ على اختلافها، في رأيك، كيف يمكنُ للفنِّ أن يلعب دوراً في تعزيزِ الإيجابيَّةِ والتفاؤل في المجتمع؟

الفنُّ، في نظري، لغةُ الروحِ، ومرآةُ العقولِ، إذ يتحدَّثُ إلى الإنسانِ بلغةٍ، لا تحتاجُ إلى ترجمةٍ. الفنُّ، يمكنُ أن يكون جسراً، يربطُ بين الأفرادِ في المجتمع، ويجمعهم في مساحةٍ من الجمالِ والتفاؤل، فمن خلال التعبيرِ الفني، نستطيعُ بوصفنا فنانين ومشاهدين نقل مشاعرنا الداخليَّةِ بحريَّةٍ تامَّةٍ، ومشاركةَ الأملِ والتفاؤلِ مع الآخرين. يمكنُ للفنِّ أيضاً، أن يلهم الأفرادَ، ويحفِّزهم على التفكيرِ بإيجابيَّةٍ، وأن يقدِّم لهم رؤيةً مختلفةً للعالم. حتى في أصعبِ الظروفِ عندما نتفاعلُ مع الأعمالِ الفنيَّةِ التي تحملُ رسائلَ إيجابيَّةً، وتعكسُ جمالَ الحياةِ، نجدُ أننا نشعرُ بالأملِ، وأن التفاؤلَ ينبعثُ من داخلنا، وعليه، يمكنُ القولُ إن الفنَّ ليس مجرَّد عملٍ إبداعي فقط، إنه أيضاً أداةٌ فاعلةٌ لبناءِ جسورِ التواصل، وتعزيزِ الإيجابيَّةِ والتفاؤلِ في المجتمع.

ما القيمةُ الأساسيَّةُ التي ترغبُ في إيصالها من خلال أعمالك الفنيَّة لرفعِ معنوياتِ المشاهدين وتعزيزِ تفاؤلهم؟

أسعى من خلال أعمالي الفنيَّةِ إلى نشرِ رسالةِ الأملِ والإيجابيَّةِ، لتصل إلى قلوبِ الحاضرين. أنا أرغبُ في تقديمِ قيمةِ الصمودِ والتفاؤلِ حتى في أصعبِ الظروفِ التي نعيشُ فيها، وأعتقدُ أن قوَّةَ الإيمانِ، والثقةَ بالنفسِ، تلعبان دوراً أساسياً في إيصالِ المشهدِ المسرحي إلى المتلقي، لذا أسعى إلى إظهارِ جمالِ الحياةِ وقوَّتها حتى في وجه التحدَّياتِ، مع الاستمتاعِ بعنصرِ المشاهدة، الذي ينتقلُ بالمشاهدِ إلى أماكنَ مختلفةٍ عبر رحلةٍ مسرحيَّةٍ ممزوجةٍ بالموسيقى الجميلة، والإضاءة التي تطغى ببريقها على خشبةِ المسرحِ والجمهور.

في النهايةِ، أريدُ أن يغادرَ المشاهدُ لوحتي الدراميَّة، أو عملي الفني بشعورٍ بالإلهامِ والتفاؤلِ على الرغم من المعاناةِ والحزنِ. يغادرها ممتلئاً بالأملِ في المستقبلِ.

ما رأيك بالاطلاع على بيئة العمل السامة.. كيف نتصدى لها؟

 

"الفن لغة الروح، ومرآة العقول، إذ يتحدّث إلى الإنسان بلغة لا تحتاج إلى ترجمة"
علاء هديب

 

الفنُّ أداة قويَّة لتحفيزِ العقول وإلهامِ القلوب


هل يمكنك مشاركتنا تجربةً شخصيَّةً عن كيفيَّةِ استخدامك الفنَّ وسيلةً لتحفيزِ الأملِ والتفاؤل؟

إن نقلَ تجربتي هذه، هي عرضٌ واقعي لمجرياتِ أحداثٍ عن شخصيَّةٍ، أحبُّ دائماً أن أتحدَّث عنها، وأن أشارك قصَّتها مع الآخرين، فضمن أحد أعمالي المسرحيَّة، حضرت سيدةٌ مع زميلتها إلى بروفةٍ تدريبيَّةٍ للعرضِ، وبوصفي المشرفَ والمسؤولَ، لم أمانع حضورها، لكنني تفاجأتُ بأنها تستخدمُ مقعداً متحرِّكاً، وفي نهايةِ التدريبِ، قالت لي: «لقد استمتعتُ كثيراً بالعرضِ المبدئي، لكن هل يمكنني المشاركةُ في هذا العمل؟». وللعلم، العملُ كان لوحةً فنيَّةً راقصةً، وأغلبيَّةُ الممثلين، يقومون بحركاتٍ استعراضيَّةٍ معقَّدةٍ وصعبةٍ، ومع ذلك، ودون تفكيرٍ منطقي، أجبتها على سجيَّتي: نعم، بالتأكيد يمكنكِ المشاركةُ، والدخولُ بوصفكِ راقصةً على المسرحِ ضمن إحدى اللوحات. هذا القرارُ تطلَّب مني مرافقتها على خشبةِ المسرحِ خوفاً على سلامتها، وصرتُ أرقصُ، وأحرِّكُ الكرسي الذي تجلسُ عليه بصورةٍ فنيَّةٍ متناغمةٍ، وكأنَّ هذا الكرسي أصبح جزءاً من جسدي، أدفعه تارةً، ثم أتحرَّكُ معه تارةً أخرى، بينما تقومُ هي بتحريك يديها، وترسمُ إيماءاتٍ على وجهها، لن أنساها ما حييت. لقد كانت تجربةً خطرةً، ومغامرةً كبيرةً على خشبةِ المسرح، وأمام جموعٍ من مئاتِ المشاهدين. السيدةُ كانت سعيدةً جداً، وأفصحت لي عن ذلك بعد انتهاءِ العرضِ قائلةً: «شكراً لك، لقد حقَّقت حلماً من أحلامي، كنت أراه من المستحيلاتِ، وأنا في هذا الوضعِ الصعبِ. إن صعودي على خشبةِ المسرحِ، ومشاركتي في الرقصِ التعبيري أمرٌ لم أتجرَّأ يوماً على التفكيرِ به قبل رؤيتك. أنا قبل هذه التجربةِ، لم أستطع مواجهةَ الناسِ خارجاً. كنت أشعرُ بالعجزِ فوقَ هذا الكرسي الصامت، ولطالما خشيتُ الرفضَ، لكنني اليوم أمتلكُ من القوَّةِ ما يكفي للخروجِ والتعبيرِ عمَّا في داخلي». وبعد فترةٍ من الزمنِ، تفاجأتُ بأن هذه السيدة، حلَّت ضيفةً على إحدى المحطاتِ التلفزيونيَّةِ، وتحدَّثت عن وقائعِ مشاركاتها وأعمالها المسرحيَّةِ، المحليَّةِ والدوليَّةِ، وبيَّنت خلال اللقاءِ، أنني كنتُ مصدرَ الإلهامِ والبدايةِ لحلمها.

هذه الجرعةُ من الأملِ والتفاؤلِ، صنعت حياةً جديدةً لشخصٍ، كان يعتقدُ أن الوقوفَ على خشبةِ المسرحِ أمرٌ مستحيلٌ. لقد استطعتُ أن أثبت من خلال الفنِّ، أن لا مكانَ للإعاقةِ الحركيَّةِ في عالمِ الفنِّ، لا مكانَ في هذا العالم سوى للمشاركةِ والإبداعِ، وكلما فكَّرتُ أين أصبحت هذه السيدةُ اليوم، وكيف حقَّقت حلمها، وتطوَّرت، ونقلت موهبتها إلى خارجِ حدودِ الأردن، زاد لدي الإيمانُ بأنني أستطيعُ أن أمنح السعادةَ والقوَّةَ والإلهامَ للآخرين من خلال عالمي الذي أحبُّه. عالمُ الفنِّ والمسرح.

هل تعتقدُ أن الفنانَ له دورٌ مهمٌّ في مساعدةِ الناسِ في التغلُّبِ على الصعاب؟

يخشى بعضهم الذهابَ إلى الأطباءِ المتخصِّصين في علمِ النفس، ويتَّجهون لممارسةِ هوايةٍ معيَّنةٍ، أو مشاهدةِ عرضٍ ممتعٍ للابتعادِ عمَّا يثيرُ غضبهم، وفي المسرحِ هناك عناصرُ عدة، تسهمُ في تشكيلِ العملِ، منها الموسيقى، وهي غذاءُ الروحِ، والرقصاتُ الاستعراضيَّةُ، والقصَّةُ المكتوبةُ. نحن من خلال فنونِ المسرح، نشاهدُ أحداثاً حيَّةً، تتراقصُ أمام المشاهدِ، وكأنَّها كتابٌ، قفزت منه الشخصياتُ، لتعيشَ ساعاتٍ أمام عيون الحاضرين. تخيَّلوا معي كيف يمكنُ لهذه التوليفةِ العظيمةِ أن تكونَ رحلةً لشفاءِ الروح، والانفصالِ عن أحداثِ وهمومِ العالمِ دون قيودٍ، لذا نعم أعتقدُ أن الفنانَ له دورٌ مهمٌّ جداً في مساعدةِ الناسِ في التغلُّبِ على الصعابِ والتحدِّيات. الفنُّ ليس فقط تعبيراً عن الجمالِ والإبداع، هو أيضاً أداةٌ قويَّةٌ، يمكنُ استخدامها لتحفيزِ العقول، وإلهامِ القلوب. من خلال الأعمالِ الفنيَّة، يمكنُ للفنانين إيجادُ مساحةٍ آمنةٍ للتعبيرِ عن المشاعر، والتفاعلِ مع العالمِ من حولهم بطريقةٍ فريدةٍ وإبداعيَّةٍ، ويمكنُ لهذا التفاعلِ، أن يكون مصدرَ إلهامٍ للآخرين.

عليه، وبلا شكٍّ، يلعب الفنان دوراً بارزاً في توجيه الناسِ نحو الأملِ والتفاؤل، ومساعدتهم في التغلُّبِ على الصعابِ حتى في أداءِ الأدوارِ الحزينة التي تقدِّمُ في محورها وصلبها رسالةً لتخطي المعاناة.


ما النصائحُ التي تودُّ مشاركتها مع الفنانين الشبابِ الذين يسعون إلى استخدامِ فنِّهم لنشر الأملِ والتفاؤل؟

أقولُ لهؤلاءِ الفنانين: إن عليكم القيامَ بأمورٍ عدة لنشرِ الأملِ والتفاؤلِ بفنِّكم، وهي:

 

  • اكتشافُ المصدرِ الداخلي للإلهام: حافظوا على اتصالٍ مع مصادرِ إلهامكم الداخليَّة، واكتشفوا ما يدفعكم للتعبيرِ من خلال الفنّ.
  • التركيزُ على الرسالةِ الإيجابيَّة: حاولوا توجيه رسالةٍ إيجابيَّةٍ وملهمةٍ من خلال أعمالكم الفنيَّة.
  • -عتمادُ تقنياتٍ وأساليبَ جديدةٍ: لا تخافوا من استكشافِ تقنياتٍ وأساليبَ جديدةٍ في عملكم الفني. قد تساعدكم التجاربُ الجديدةُ في تطويرِ أسلوبكم، وإيصالِ رسالتكم بشكلٍ أفضل، وأنصحُ بالاتجاه إلى المدرسةِ الحديثةِ للفنون، لأنها صورةٌ عصريَّةٌ، تتوافقُ فكرياً مع غالبيَّةِ المجتمعِ دون الانسلاخِ عن كلاسيكيَّةِ المسرح.
  • التواصلُ مع المجتمع: ابحثوا عن فرصٍ للتواصلِ مع المجتمع، المحلي والعالمي، من خلال الفنِّ، سواءً كان ذلك عبر المعارضِ، أو ورشِ العملِ، أو المشاركةِ في المبادراتِ الاجتماعيَّة.
  • الاستمرارُ في التعلُّمِ والنمو: لا تتوقَّفوا عن التعلُّمِ وتطويرِ مهاراتكم الفنيَّة والإبداعيَّة. استمروا في البحثِ عن المصادرِ التعليميَّة، والفرصِ التدريبيَّة التي تساعدكم في تحسينِ أدائكم الفني، وتوسيعِ آفاقكم. إن الإيمانَ بالفكرةِ والقدرةِ على التميُّزِ والإبداع.

يمكنك أيضًا الاطلاع على أهم المهارات الشخصية التي يتطلبها سوق العمل في المستقبل