تجربتي في الانتصار على الفيبروميالجيا.. في يومها العالمي

تجربتي مع الفيبروميالجيا قاسية ولكنني تحدّيت المرض
تجربتي مع الفيبروميالجيا قاسية ولكنني تحدّيت المرض

الألم العضلي الليفي، أو الفيبروميالجيا Fibromyalgia هو حالة تؤثر على الجهاز العصبي المركزي، ولا يوجد علاج لها حالياً. تسبب التعب والألم المنهك لدى النساء والرجال والأطفال، والعديد منهم لا يتم تشخيصهم.
وفي اليوم العالمي للفيبروميالجيا الذي يُحتفى به في الثاني عشر من شهر مايو من كل عام، تطلعك "سيّدتي" على قصة مؤثرة ورحلة مؤلمة، وصولاً إلى اكتشاف التشخيص الصحيح.
إنها قصة سيدة الأعمال والمدرّبة الرياضية ميريللا يزبك (44 عاماً)، والتي استطاعت أن تنتصر على المرض بكل عزم وإرادة وقوة.

ميريللا يزبك

أعراض غير مفهومة

تستهل ميرللا حديثها عن قصتها مع الفيبروميالجيا قائلة:" بدأت قصتي منذ 7 سنوات، حيث بدأ جسمي يضعف وعضلاتي أيضاً، وبطني ينتفخ؛ علماً أنني كنت مدرّبة رياضة.
ووزني 47 كيلوجراماً، لكن مع بطن كبير جداً، وأعاني من آلام فيه، مع فترات متناوبة من الإمساك أو الإسهال.
باشرت القيام ببعض الفحوص، مثل التنظير، التي أظهرت أن لدي بكتيريا هيلوباكتربيلوري، وهي التي تسبب تآكل جدار المعدة عندما تبقى لوقت طويل دون علاج.
انخفض مستوى الحديد في الدم لدي، كما انخفضت نسبة الفيتامينات. باختصار كان فحص الدم مضطرباً وغير سليم.
باتت البكتيريا تأكل جدران المعدة وتطلق السموم إلى المصران.
بقيت على هذه الحالة لفترة طويلة، حيث تلقيت العلاج المناسب لها، لكن الأعراض سرعان ما تعود لتظهر من جديد.
جراء هذه الحالة، صارت معدتي تنتفخ أكثر فأكثر، جراء تراكم الدهون فيها. وبدأت أعاني من الدوخة، وينخفض مخزون الحديد Ferritin في جسمي إلى الواحد".

وتابعت ميريللا حديثها :"تخلصت من بكتيريا الملوية البوابية نهائياً بفضل الأدوية، ولكن لم أستطع أن أتخلص من مشكلة الانتفاخ في المعدة والألم المستمر. فبات فحص المنظار يتكرر لمرات عديدة ومتتالية لمعرفة السبب، من دون إجابات واضحة. وأجريت فحوصاً للحساسية، فظهر لدي تحسس على العديد من الأمور، وظهر لدي مرض السيلياك. فصرت أتناول المنتجات الخالية من الجلوتين، إنما دون جدوى، والأعراض مستمرة؛ من دوخة، وانتفاخ وآلام في البطن وارتجاع مريئي،
خضعت لمزيد من الفحوص، التي أظهرت نتائجها أن المعدة باتت متشققة لديّ".
ربما يهمك الإطلاع على هل يمكن تناول الفيتامينات مع بعضها؟.. معلومات يجب التقيد بها

التفكير والعمل المستمران للدماغ

الدماغ مستيقظ في فترات الليل


وتشرح ميريللا بأنها "شخص لا يتوقف عن التفكير في الحلول للمشاكل التي يعاني منها. لكن، بدأت أُلاحظ اختفاء الذاكرة الرقمية التي تتصل بالأرقام لديّ في فترة النهار، لتعود في فترة الليل، حيث يصبح التذكر موجوداً؛ ولعل هذا يعني أن الدماغ لم يكن نائماً طوال الوقت، أو بمعنى آخر أن ساعة الجسم البيولوجية لا تعمل على النحو الصحيح، لكي يرتاح الدماغ ويتمكن من تجديد نفسه، ليستفيق في اليوم التالي بحالة صحية جيدة.
لكن لا بد من الإشارة إلى أنني، وقبل المرور بهذه المراحل الآنفة الذكر، كنت أعيش في حالة من الإجهاد القوي والمستمر.
كنت أواجه في كل أوقاتي صدمات ومشاكل كبيرة في الحياة تتطلب الحلّ؛ وكان دماغي يعمل في حالة القتال Fight Mode وحالة النجاة Survivor mode. دائماً يحارب ويبحث عن حلول للمشاكل التي يتعرّض لها. مما يعني أن الجهاز العصبي في حالة استنفار مستمرة وليس لديه أي وقت للراحة.
وهذه المرحلة لم أكن أعلم أنني أتعرّض للضرر الداخلي، حيث كنت أعتقد أن مجرد نزهة أو جلسة مع أحد المقربين ستشعرني بالسعادة وأنسى حالتي النفسية التي تلازمني.
استمرت هذه الحالة لفترة عشر سنوات".

الجسم بات عرضة للأمراض

وتتابع ميريللا الحديث عن قصتها "بعد هذه المرحلة التي واجهت فيها الاضطرابات في الجهاز الهضمي، شاعت حمى التيفوئيد، فكنت أول من أصيب بها، التقطت فيروس الـ H1N1 والكورونا وغيرها الكثير. باختصار صرت عرضة لالتقاط الكثير من الفيروسات والأمراض وبسرعة. وكأن الجهاز المناعي لم يعد يعمل كما يجب.


استمريت في عملي كمدربة رياضية لعدة أنواع من الرياضات وخصوصاً الزومبا، وأثناء عملي كانت ترتفع الحموضة المعوية لديّ على نحو كبير، مصحوبة بأوجاع البطن وغثيان وقيىء.
صرت أتناول الأدوية الخاصة بحموضة المعدة مثلي مثل جميع الأشخاص الذين يعانون من ارتجاع المريء، وتوقفت عن تناول كل ما يسبب لي حرقان المعدة (توابل، طماطم..) لكن المشكلة لم تختف.
وبعد فترة من المعاناة زرت طبيباً جديداً، وقلت له إنني أعاني من حساسية السيلياك، وأُدير حالتي، لكنني لم أتحسّن. فطلب مني القيام بفحص الـ DNA، فأظهر الفحص أنني لا أعاني من حساسية السيلياك.
لست مريضة سيلياك. إذن ما المشكلة؟ لا أحد يعلم!


بعد ذلك صرت أعاني من آلام في جسمي، حتى بات شعر رأسي يؤلمني على نحو لا يمكن تصوره.
بدأت الآلام في جميع مفاصل قدمي وجسمي، وأوجاع في رقبتي. فصرت أعمل جلسات فيزيائية، لكن أيضاً دون جدوى.
بدأت أخسر عضلات وجهي، تغير لون وجهي، ظهرت التصبغات الداكنة والكلف في وجهي، وأحياناً عندما أكون في سيارتي أشعر بالعمى، فأركن السيارة إلى جانب الطريق وأجهش بالبكاء، لأنني لا أستطيع أن أكمل طريقي، وأتصل بأهلي أو أحد أصدقائي لاصطحابي إلى المنزل.
ثمَّ بدأ شعري يتساقط، وأحياناً على شكل خصل. أظافري باتت رقيقة جداً ومتكسرة. وصارت لدي صعوبة بانتعال الكعب العالي، خصوصاً وأنني كنت أعمل مستشارة أيضاً ومديرة في إحدى الشركات الكبرى ولدي مركزي، فيما يعتبر مظهري جزءاً أساسياً من العمل.


وصلت إلى مرحلة لم يعد جسمي رشيقاً، رغم أنني أدرّب الرياضة. صرت أكتسب المزيد من الوزن من الدهون، وأخسر الكتلة العضلية، رغم التمارين الرياضية وتناول البروتين.
بتُّ شخصاً لا يملك السعادة، خسرت مشاعر الفرح والحب؛ فآلامي لا توصف، وصارت شرايين ساقيّ تنفجر، فظهرت الدوالي العنكبوتية فيها على نحو كبير".

مرحلة صعبة جداً وقرار في مواجهة المشكلة

أكدت ميريللا أنه ورغم جميع آلامها التي لا يمكن لأحد تحملها، قررت أن أحارب "وفي هذه الفترة ظهرت جائحة كورونا، فقررت الذهاب إلى منطقة جبلية بعيدة في لبنان، فتحسّن مزاجي العام قليلاً، خصوصاً مع تناول بعض أدوية الاكتئاب.


ثم سافرت إلى إحدى الدول العربية، بعد أن تلقيت عرضاً لأكون في منصب مدير إقليمي في شركة مرموقة.
وكانت هذه الخطوة صعبة بالنسبة لحالتي، ربما لأنني صرت أعيش بمفردي فصرت أكثر إدراكاً لآلامي وللتفكير المستمر بها. لم أعد أستطع النوم، وفي حال نمت بعض الوقت، لا أتمكن من النهوض من السرير على الإطلاق من الآلام ومن الدماغ الذي صار (ثقيلاً). لم أعد أستطع أن أؤلف جملة مفيدة لأتحدث مع الآخرين رغم أن الكلمات موجودة في ذاكرتي. لم أعد أركز على عملي وصرت أتراجع في عملي. والأفكار باتت تتداخل مع بعضها البعض. لم أعد أستطع أن أفكر بفكرة واحدة. صرت أنسى كثيراً، أنسى الكلمات بالعربية والانكليزية والفرنسية، وتغيرت لغتي في النطق. باختصار فقدت السيطرة على عقلي وعلى نفسي تماماً.


أصابتني الحكة المستمرة، حيث أشعر بالدم يسري في شرايين جسمي، فاعتقدت أن هناك "عث" في الفراش أو أي نوع آخر من الحشرات، فطلبت تغيير فرشة السرير، لكن لم تتوقف الحكة.
زرت العديد من الأطباء هناك، وارتفع مستوى الالتهابات في جسمي بشكل كبير، واكتسبت 30 كيلوغراماً إضافية، وتعرّضت لالتهابات قوية في الثدي. ظننت أنها مسألة احتباس ماء، وكل الوقت وأنا أتعالج من هذه الحالة، بتأكيدات عدد من الأطباء، لكنني لم أكن أعاني من احتباس الماء.


فعدت إلى لبنان لكي أُجري جراحة استئصال الثدي، لكن قبل المباشرة بالجراحة، نصحني أحدهم بزيارة طبيب شرايين فأخبرته عن حالتي بالتفاصيل، فقال لي (أنتِ تعانين من مرض الفيبروميالجيا).
طلب مني طبيب الشرايين أن أخضع لعدة فحوص طبية جديدة، فاكتشفنا بالإضافة إلى الفيبروميالجيا، أن المصران لدي أصبح في حالة من الشلل، ولم يعد يمتص الطعام؛ من هنا خسرت الكثير، الفيتامينات، والمعادن، والمواد التي يحتاجها جسمي، وخسرت عضلاتي. وآلامي ازدادت لأنَّ لدي نسبة التهابات عالية في جسمي، والجهاز العصبي لم يعد يستطع أن يجدد نفسه ويتعافى، فصرت شخصاً مضطرباً للغاية.
وصف لي الطبيب أدوية أخرى للاكتئاب أقوى بكثير من الأولى، فصرت في حالة تعب دائم بسبب الأدوية.
وصرت آخذ 12 حبة دواء في اليوم، من جميع المكملات الغذائية وسواها، رغم ذلك آلامي مستمرة.


علماً أنني كنت أتابع حالتي دائماً مع طبيب نفسي ومعالج نفسي، ومدرّبي حياة لأتمكن من حل مشكلتي.


قبل هذه الفترة كنت قد تعرفت بشخص وقف بجانبي. فقررنا الزواج، رغم ما أمر به، وحمِلتُ بابنتي، فاضطررت إلى إيقاف جميع أدوية الاكتئاب على نحو فجائي، وهنا بدأت المشكلة، صرت عرضة لنوبات من الهلع، والهوس والصراخ، وربما انفصام الشخصية، قطعت في مرحلة صعبة من حياتي، تخلى عني فيها الجميع، إلا زوجي وعائلتي طبعاً، لأنني صرت شخصاً آخر، لا يشبه ميريللا التي كانت حيوية ونشطة وتتنقل من بلد إلى بلد في عملها، وللسياحة أيضاً.


لم أعد شخصاً مهماً كما كنت في السابق. خسرت عملي وجميع من حولي، وأعتبر أنني فقدت حياتي.
وبعد أن ولدت طفلتي، صرت لا أستطيع أن أنهض من سريري، وعندما أقف أقع على الفور، ولم أتمكن من حملها بين أذرعي. أصبحت عبئاً على من حولي، فبدأت مرحلة اليأس عندي، وصارت تراودني أفكار انتحارية، ولكن بما أنني امرأة مؤمنة لم أنفذ ذلك".

قرار جديد بالتحدي والمواجهة

تتابع ميريللا قائلة: "قررت من جديد أن أواجه وأتحدى مرضي. صرت أبحث وأقرأ كثيراً. والجميع يقول إنه يجب المشي في الطبيعة، لكنني لم أعد أملك الإرادة لأذهب، يقولون مارسي الرياضة، لكنني لا أملك القوة لكي أغسل وجهي في الصباح.
ذهبت إلى عيادة اختصاصية تغذية، كي تصف لي حمية غذائية لأخسر الوزن الذي أكتسبه، علّ ذلك يساعدني على استعادة القدرة على المشي، لكن دون جدوى. وتنقلت من اختصاصية إلى أخرى دون أن أفقد كيلوغراماً واحداً.


إلى أن وصلت إلى عيادة الاختصاصية لمى نبوت، التي أكدت لي أيضاً أنني أعاني من الفيبروميالجيا، وأنني لا أعاني من احتباس الماء في الجسم، بل من الجفاف. وطلبت إجراء فحوص معمقة في الخارج، فتبين لديها نوع الحساسية التي أعاني منها. وبالفعل بدأت مرحلة العلاج، حيث صرت أتبع نظاماً غذائياً خاصاً يتلاءم مع أنواع الحساسية لديّ، ومضاداً للالتهابات.
واستمرت قراءاتي ومتابعاتي على الإنترنت، إلى أن اكتشفت ما يسمى إعادة برمجة الدماغ Brain Reprograming، ليتخلص من نظام التنبيه Alert system ونظام القتال Fight system اللذين اعتاد عليهما في مراحله السابقة.


اتصلت بإحدى المتخصصين الذين يعملون على ذلك، وبالفعل قمت بزيارتها وطلبت مني القيام بالتمارين الرياضية، وبما أنني لم أكن أستطع ذلك، فصرنا نبحث أنا وزوجي أكثر عن طرق وأدوات بديلة، فاكتشفنا بعد بحث متكرر أن تحفيز العضلات الإلكتروني (EMS) هو أسلوب العلاج الطبيعي واللياقة البدنية. وهذا النوع من الآلات (الخاص منها والأكثر تطوراً) قادر على العمل على Peripheral nerve rejuvenation، وهو يعمل أيضاً على العضلات بعمق وليس على سطحها، لكي تعود العضلات لتعمل من جديد بعد موتها. كما يعمل على تكسير الدهون في الجسم، وعلى تحسين الجلد في الوقت نفسه.


أحضرنا آلة EMS الأكثر تطوراً إلى المنزل، وصرت أعمل عليها. وبعد أول زيارة للطبيب المعالج قال لي حرفياً (الأعجوبة التي تقومين بها.. تابعي عملك بها).


وبعد زيارتي لاختصاصية التغذية وفحصها لجسمي، قالت لي (لقد كسبت 2400 جرام عضل، وفقدت 2750 جراماً من الدهون. فالشيء الذي تقومين به تابعي به).

من هنا ولدت لدينا فكرة أن نفتتح مركزاً لآلات الـ EMS، أنا وزوجي، وصرت أتابع العمل على الآلات، وفي الوقت نفسه أتبع نظاماً غذائياً مضاداً للالتهابات، مع متابعة العمل على إعادة تأهيل الدماغ، وإعادة تأهيل العصب لدي، وإعادة تأهيل العضلات، وتحسين الصحة النفسية، فبدأ هرمون السيروتونين يرتفع في جسمي طبيعياً".

 

وتؤكد ميريللا في ختام حديثها على أنه صحيح لا تزال تعاني من الألم العضلي الليفي أو الفيبروميالجيا، لكنها وجدت جميع الطرق لتعود إنسانة طبيعية، كما كانت في السابق. وتمكنت من العمل والقيام بالأعمال البديهية التي يقوم بها جميع الأشخاص في حياتهم، واستعادت مشاعرها الطبيعية والسيطرة على نفسها.
كما باتت قادرة من خلال المركز الذي افتتحته أن تساعد الأشخاص الذين يعانون من الفيبروميالجيا، أو لديهم حالات مرضية أخرى، من خلال برنامج إعادة تأهيل برمجة الدماغ، وتأهيل الجسم وتمكينه وتقويته، ومن خلال الطعام الصحي الذي يدخل إلى الجسم.


*ملاحظة من "سيّدتي" : قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج استشارة طبيب مختص.