يقع على عاتق أمهات أطفال ذوي التوحد لعب الدور المحوري والرئيسي في اكتشاف الأعراض الأولى للمرض ، واتخاذ خطوة البدء في رحلة البحث والتشخيص والعلاج ، وطرق أبواب المستشفيات والمراكز المتخصصة ، ولعل الاختلاف في قصة مريم جراح هو صدمتها بإصابة طفلين بالتوحد ، وكل منهما على النقيض تمامًا من الآخر، وهو ما شكل لها في بداية الأمر حالة من اليأس والاحباط ، لكنها سرعان ما أمسكت بتلابيب الأمل لتتجاوز كافة التحديات بعزيمة وقوة وإصرار ولتعلن للعالم بكل بثقة وحب: ابني مختلف لكن مبدع.
سيدتي التقت زينب جراح بمناسبة اليوم العالمي للتوحد للتعرف إلى معالم مضيئة من رحلتها الطويلة مع التوحد، ومحاولات التعايش معه بالصبر وتحقيقها للكثير من الانتصارات والمكاسب .
اكتشاف التوحد

بدأت رحلة زينب جراح كأم محاربة في مجال التوحد، عندما بلغ عمر طفلها الأول عامه الثالث، إذ لاحظت كأم عدم تفاعله معها ، ومع محاولتها المتكررة للفت انتباهه أسوة ببقية الأطفال في سنواتهم الأولى، كما لاحظت أيضًا تعمده تجنب النظر إليها وكذلك رغبته الدائمة في أن يكون منعزلًا بمفرده بعيدًا عن أعين الناس، عدم الارتداء للملابس وعدم تردد ه في خلعها متى ما شاء ذلك.
كل ما سبق من مواقف وملاحظات كانت نقطة البداية الذي أثارت الكثير من الشكوك والقلق لدى زينب جراح حول صحة طفلها ومعاناته الأكيدة من مشكلة ما ، الأمر الذي يستوجب تحركها السريع لتدارك الوقوع في مضاعفات أكبر، وكذلك الحصول على علاج يسهم في نخفيف معاناتها مع طفلها.
ومن هنا كانت بداية رحلة زينب في اللجوء للأطباء والخبراء بحثًا عن إجابات شافية لتساؤلاتها، وبعد سلسلة من الفحوصات الطبية التي خضع لها ولدها، ظهرت النتائج التي كشفت وبشكل جازم عن إصابته بالتوحد؛ وبما أنها لم تكن في ذلك الوقت تملك أي خلفية أو معلومة عن التوحد وفي طرق التعامل مع المصابين.لجأت في البحث والتقصي عن التوحد بالاتحاق بدورات تدريبية عن التربية الخاصة وفرط الحركة والتشتت كما كان انضمامها في مرحلة لاحقة بالجمعية التعاونية أكفا ، وبفريق رح التوحد .
أصعب لحظة
تقول زينب جراح لسيدتي أصعب لحظة مررت بها في حياتي هي تلك التي اكتشفت فيها إصابة ابني الثاني بالتوحد، وبأعراض وعلامات مختلفة وبعيدة كل البعد عن حالة شقيقه ، بل وعلى النقيض تمامًا في كافة التفاصيل.وتسترك : ولكن مهما كانت الصدمة كبيرة في بدايتها تبدأ تدريجيًا في التخفيف من وطئها مع مرور الأيام، والدخول في مرحلة من التقبل، والرضا بالواقع، وعدم اليأس، والاستسلام.
دروس وعبر
واستمرت زينب في رحلة العلاج والتأهيل لطفليها والتي خرجت منها بالكثير من الدروس والعبر في تأكيد أن لكل محنة في الحياة منحة ربانية وعن ذلك تشير زينب: تعلمت من ولدي الإصرار وكيف يمكن أن يساعد في تطوير نفسه بنفسه ولا يعيش في قوقعة التوحد، وكيف بدأ مع مرور الأيام تدريجيا في الاستقلال بذاته وبكل أمور حياته.
وتابعت زينب: تعلمت أيضًا أن لكل شخص في الحياة سواء طبيعي أو توحدي هو شخص مختلف.
أمهات ذوي التوحد

ومن واقع تجربتها وما اكتسبته من خبرة عملية في معركتها المباشرة مع التوحد، كان لزينب وصية لأمهات أطفال التوحد، وهي أن يتعاملن مع أطفالهن بشكل طبيعي وليس على أساس أنهم غير ذلك ، باعتقاد أن الطفل التوحدي لا يفهم ولا يدرك ولا يعيش معنا في الحياة، بل على الأم أن تبحث وتساعد طفلها من الخروج من قوقعة التوحد وممارسة الحياة كشخص طبيعي؛ لأنها تمثل بالنسبة له نافذته الوحيد للعالم الخارجي.
رسالة للعالم
وأما الرسالة التي وجهتا زينب للعالم فجاء فيها : من الضروري عدم النظر لأطفال التوحد على أنهم مختلفون، أو متخلفون، لأن الاختلاف أمر طبيعي حتى بين الأشخاص الطبيعيين، وذوو التوحد هم أيضًا مختلفون لكن بشكل آخر.
وأضافت زينب: طفلي مختف لكنه مبدع في مجالات، أنا عن نفسي لم أتمكن من أكون مبدعة فيها.
الطب الشعبي
وكما جهت زينب جراح رسالة عتاب للأهالي الذين يلجؤون للطب الشعبي بحثًا عن العلاج، في الوقت الذي أثبتت فيه التجارب أن العلاج الوحيد للتوحد هو بأن يتم تعامل المصاب كشخص طبيعي في الحياة.
وتضيف زينب: لا أخفيكم أنني كأم تبحث عن علاج لابنها سلكت في بداية الأمر الكثير من الطرق، ومن ذلك اللجوء للطب الشعبي، ولكن للأسف لم أجد الفائدة التي كنت أنشدها، بل على العكس تمامًا كان من تأثيرها السلبي شعور ابني بالخوف من كل شيء، ومن كل شخص يحاول الاقتراب منه أو لمسه.
التأهيل والتدريب
وخلاصة رحلة زينب جراح مع معاناة طفليها هو عدم وجود علاج للتوحد سوى بالتدريب والتأهيل، وعن ذلك تقول : بالتدريب والتأهيل فقط أصبح ابني شخصًا أقرب للطبيعي، وبات له اهتمام بما يأكل ويشرب وفي كافة تفاصيل حياته اليومية بصفة عامة.وهو ما يجعلني أؤكد وأشدد على التدريب، ثم التدريب، ثم التدريب سواء أثناء تواجده بالمركز والاستمرار في التدريب في المنزل، فكلما كانت هناك كثافة في التدريب كانت هناك نتائجملموسة أفضل سواء كان تخاطبًا أو تعديل سلوك وتدريبات مهاراتية حياتية تمكنه من أن يبدع ويظهر أفضل ما لديه.
اقرأ المزيد : في اليوم العالمي للتوحد : تعرفوا إلى قصص أبطال التوحد الذين كسروا القيود وحققوا المستحيل